فصل: فصل في أن التولد لابد له من أصلين

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجموع فتاوى ابن تيمية **


 فصل

والمقصود هنا أن التولد لابد له من أصلين، وإن ظن ظَانٌّ أن نفس الهواء الذي بين الزنادين يستحيل نارًا بسخونته من غير مادة تخرج منهما تنقلب نارًا فقد غلط؛ وذلك لأنه لا تخرج نار إن لم يخرج منهما مادة بالحك، ولا تخرج النار بمجرد الحك‏.‏

وأيضًا، فإنهم يقـدحون على شيء أسفل مـن الزنادين كالصُّوفَان والحِـَراق فتنزل النار عليه، وإنما ينزل الثقيـل، فلولا أن هناك جزءًا ثقيلًا من الزناد الحديد والحَجَرِ لما نزلت النار، ولو كـان الهـواء وحده انقلب نارًا لم ينزل؛ لأن الهواء طبعه الصعود لا الهبوط، لكن بعد أن تنقلب المادة الخارجة نارًا قد ينقلب الهواء القريب منها نارا، إما دُخَانًا وإما لهيبًا‏.‏

/والمقصود أن المتولدات خلقت من أصلين، كما خلق آدم من التراب والماء، وإلا فالتراب المحض الذي لم يختلط به ماء لا يخلق منه شيء، لا حيوان ولا نبات، والنبات جميعه إنما يتولد من أصلين ـ أيضًا ـ والمسيح خلق من مريم ونفخة جبريل، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 21‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 91‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 17‏:‏ 19‏]‏‏.‏

وقد ذكر المفسرون أن جبريل نفخ في جيب درعها‏.‏والجَيْبُ‏:‏ هو الطوق الذي في العنق، ليس هو ما يسميه بعض العامة‏:‏ جيبًا، وهو ما يكون في مقدم الثوب لوضع الدراهم ونحوها‏.‏وموسى لما أمره اللّه أن يدخل يده في جيبه، هو ذلك الجيب المعروف في اللغة‏.‏وذكر أبو الفرج وغيره قولين‏:‏ هل كانت النفخة في جيب الدرع أو في الفرج‏؟‏ فإن من قال بالأول قال‏:‏ في فرج درعها، وإن من قال‏:‏ هو مخرج الولد قال‏:‏ الهاء كناية عن غير مذكور؛ لأنه إنما نفخ في درعها، لا في فرجها، وهذا ليس بشيء، بل هو عدول عن صريح القرآن‏.‏وهذا النقل إن كان ثابتًا لم يناقض القرآن، وإن لم يكن ثابتا لم يلتفت إليه؛ فإن من نقل أن جبريل نفخ في جيب الدرع، فمراده أنه صلى الله عليه وسلم لم/ يكشف بدنها، وكذلك جبريل كان إذا أتي النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة متجردة لم ينظر إليها متجردة، فنفخ في جيب الدرع فوصلت النفخة إلى فرجها‏.‏

والمقصود إنما هو النفخ في الفرج، كما أخبر اللّه به في آيتين، وإلا فالنفخ في الثوب فقط من غير وصول النفخ إلى الفرج مخالف للقرآن، مع أنه لا تأثير له في حصول الولد، ولم يقل ذلك أحد من أئمة المسلمين، ولا نقله أحد عن عالم معروف من السلف‏.‏

والمقصود هنا أن المسيح خلق من أصلين‏:‏ من نفخ جبريل، ومن أمه مريم، وهذا النفخ ليس هو النفخ الذي يكون بعد مضي أربعة أشهر والجنين مضغة؛ فإن ذلك نفخ في بدن قد خلق، وجبريل حين نفخ لم يكن المسيح خلق بعد، ولا كانت مريم حملت، وإنما حملت به بعد النفخ بدليل قوله‏:‏ ‏{‏قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 19‏]‏، ‏{‏فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 22‏]‏‏.‏فلما نفخ فيها جبريل حملت به؛ ولهذا قيل في المسيح‏:‏ ‏{‏وَرُوحٌ مِّنْهُ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 171‏]‏، باعتبار هذا النفخ‏.‏وقد بين اللّه ـ سبحانه ـ أن الرسول الذي هو روحه، وهو جبريل، هو الروح الذي خاطبها، وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا‏}‏، فقوله ‏{‏فَنَفَخْنَا فِيهَا‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 91‏]‏ أو‏:‏ ‏{‏فِيهِ مِن رُّوحِنَا‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 12‏]‏، أي‏:‏ من هذا الروح الذي هو جبريل، وعيسى روح من هذا الروح، فهو روح من اللّه بهذا /الاعتبار، ومن لابتداء الغاية‏.‏

والمقصود هنا أنه قد يكون الشيء من أصلين بانقلاب المادة التي بينهما إذا التقيا؛ كان بينهما مادة فتنقلب؛ وذلك لقوة حك أحدهما بالآخر فلابد من نقص أجزائها، وهذا مثل تولد النار بين الزنادين إذا قدح الحجر بالحديد، أو الشجر بالشجر، كالمرخ والعفار، فإنه بقوة الحركة الحاصلة من قدح أحدهما بالآخر يستحيل بعض أجزائهما، ويسخن الهواء الذي بينهما فيصير نارًا، والزندان كلما قدح أحدهما بالآخر نقصت أجزاؤهما بقوة الحك، فهذه النار استحالت عن الهواء وتلك الأجزاء بسبب قدح أحد الزندين بالآخر‏.‏

وكذلك النور الذي يحصل بسبب انعكاس الشعاع على ما يقابل المضيء، كالشمس والنار، فإن لفظ النور والضوء يقال تارة على الجسم القائم بنفسه، كالنار التي في رأس المصباح، وهذه لا تحصل إلا بمادة تنقلب نارًا كالحطب والدُّهْنِ، ويستحيل الهواء ـ أيضًا ـ نارًا، ولا ينقلب الهواء ـ أيضًا ـ نارًا إلا بنقص المادة التي اشتعلت، أو نقص الزندين‏.‏وتارة يراد بلفظ النور والضوء والشعاع‏:‏ الشعاع الذي يكون على الأرض والحيطان من الشمس، أو مـن النار، فهـذا عرض ليس بجسم قائم بنفسـه، لابـد له مـن محـل يقـوم بـه يكـون قابـلًا له، فلابـد في الشعاع مـن جسم مضيء، ولابـد مـن شيء يقابله حتى ينعكس عليه الشعاع‏.‏

/وكذلك النار الحاصلة في ذبالة المصباح إذا وضعت في النار، أو وضع فيها حطب؛ فإن النار تحيل أولًا المادة التي هي الدُّهْن أو الحطب، فيسخن الهواء المحيط بها فينقلب نارًا، وإنما ينقلب بعد نقص المادة‏.‏وكذلك الريح التي تحرك النار مثل ما تهب الريح فتشتعل النار في الحطب‏.‏ومثل ما ينفخ في الكِير وغيره تبقي الريح المنفوخة تضرم النار؛ لما في محل النار كالخشب والفحم من الاستعداد لانقلابه نارًا، وما في حركة الريح القوية من تحريك النار إلى المحل القابل له، وقد ينقلب ـ أيضًا ـ الهواء القريب من النار، فإن اللهب هو الهواء انقلب نارًا، مثل مافي ذبالة المصباح؛ ولهذا إذا طفئت صار دُخَانًا، وهو هواء مختلط بنار كالبخار، وهو هواء مختلط بماء، والغبار هواء مختلط بتراب‏.‏

وقد يسمى البخار دُخَانًا، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 11‏]‏‏.‏قال المفسرون‏:‏ بخار الماء، كما جاءت الآثار‏:‏ ‏(‏إن الله خلق السموات من بخار الماء‏)‏ وهو الدخان، فإن الدخان‏:‏ الهواء المختلط بشيء حار، ثم قد لا يكون فيه ماء، وهو الدخان الصِّرْف‏.‏ وقد يكون فيه ماء، فهو دخان، وهو بخار كبخار القدر‏.‏وقد يسمي الدخان بخارًا، فيقال لمن استجمر بالطيب‏:‏ تبخر، وإن كان لا رطوبة هنا، بل دخان الطيب سمي بخارًا‏.‏قال الجوهري‏:‏ بخار الماء‏:‏ ما يرتفع منه كالدخان، والبَخُور ـ بالفتح ـ‏:‏ ما يتبخر به؛ لكن إنما يصير الهواء نارًا /بعد أن تذهب المادة التي انقلبت نارًا، كالحطب والدهن، فلم تتولد النار إلا من مادة، كما لم يتولد الحيوان إلا من مادة‏.‏

 فصل

والمقصود أن كل ما يستعمل فيه لفظ التولد من الأعيان القائمة، فلابد أن يكون من أصلين، ومن انفصال جزء من الأصل‏.‏ وإذا قيل في الشِّبَع والرِّي‏:‏ إنه متولد، أو في زهوق الروح ـ ونحو ذلك من الأعراض ـ‏:‏ إنه متولد، فلابد في جميع ما يستعمل فيه هذا اللفظ من أصلين، لكن العَرَضَ يحتاج إلى محل، لا يحتاج إلى مادة تنقلب عَرَضًا، بخلاف الأجسام، فإنها إنما تخلق من مواد تنقلب أجسامًا، كما تنقلب إلى نوع آخر، كانقلاب المني علقة، ثم مضغة، وغير ذلك من خلق الحيوان والنبات‏.‏

وأما ما كان من أصل واحد، كخلق حواء من الضلع القُصَيري لآدم، وهو وإن كان مخلوقًا من مادة أخذت من آدم ـ فلا يسمى هذا تولدًا؛ ولهذا لا يقال‏:‏ إن آدم وَلَدَ حواء، ولا يقال‏:‏ إنه أبو حواء، بل خلق الله حواء من آدم، كما خلق آدم من الطين‏.‏

/وأما المسيح، فيقال‏:‏ إنه ولدته مريم، ويقال‏:‏ المسيح ابن مريم، فكان المسيح جزءًا من مريم، وخلق بعد نفخ الروح في فرج مريم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 12‏]‏، وفي الأخرى‏:‏ ‏{‏فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 91‏]‏‏.‏

وأما حواء، فخلقها الله من مادة أخذت من آدم، كما خلق آدم من المادة الأرضية، وهي الماء والتراب والريح الذي أيبسته حتى صار صلصالًا، فلهذا لا يقال‏:‏ إن آدم وَلَدَ حواء، ولا آدم وَلَدَهُ الترابُ، ويقال في المسيح‏:‏ ولدته مريم، فإنه كان من أصلين‏:‏ من مريم ومن النفخ الذي نفخ فيها جبريل‏.‏قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ على هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 17‏:‏ 22‏]‏، إلى آخر القصة، فهي إنما حملت به بعد النفخ، لم تحمل به مدة بلا نفخ، ثم نفخت فيه روح الحياة كسائر الآدميين، ففرق بين النفخ للحمل، وبين النفخ لروح الحياة‏.‏

/فتبين أن ما يقال‏:‏ إنه متولد من غيره من الأعيان القائمة بنفسها، فلا يكون إلا من مادة تخرج من ذلك الوالد، ولا يكون إلا من أصلين، والرب ـ تعالى ـ صمد، فيمتنع أن يخرج منه شيء، وهو ـ سبحانه ـ لم يكن له صاحبة، فيمتنع أن يكون له ولد‏.‏

وأما ما يستعمل من تولد الأعراض، كما يقال‏:‏ تولد الشعاع، وتولد العلم عن الفكر، وتولد الشبع عن الأكل، وتولدت الحرارة عن الحركة، ونحو ذلك ـ فهذا ليس من تولد الأعيان، مع أن هذا لابد له من محل، ولابد له من أصلين؛ ولهذا كان قول النصارى‏:‏ إن المسيح ابن الله ـ تعالى الله عن ذلك ـ مستلزمًا لأن يقولوا‏:‏ إن مريم صاحبة الله، فيجعلون له زوجة وصاحبة، كما جعلوا له ولدًا، وبأي معنى فسروا كونه ابنه، فإنه يفسر الزوجة بذلك المعنى، والأدلة الموجبة تنزيهه عن الصاحبة، توجب تنزيهه عن الولد، فإذا كانوا يصفونه بما هو أبعد عن اتصافه به؛ كان اتصافه بما هو أقـل بعدًا لازمًا لهم، وقد بسط هذا في الرد على النصارى‏.‏

 فصل

وهذا مما يبين أن ما نزه الله نفسه ونفاه عنه بقوله‏:‏ ‏{‏لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ‏}‏ وبقوله‏:‏ ‏{‏أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 151، 152‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتعالى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 100، 101‏]‏، يعم جميع الأنواع التي تذكر في هذا الباب عن بعض الأمم، كما أن ما نفاه من اتخاذ الولد يعم ـ أيضًا ـ جميع أنواع الاتخاذات الاصطفائية، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَتِ اليهود وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 18‏]‏‏.‏قال السدي‏:‏ قالوا‏:‏ إن الله أوحي إلى إسرائيل أن ولدك بكري من الولد، فأدخلهم النار فيكونون فيها أربعين يومًا حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم ينادي مناد‏:‏ أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل‏.‏

وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 91‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 111‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 1، 2‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 26‏:‏ 29‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 51‏:‏ 57‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلآئِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 39‏:‏ 42‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 149‏:‏ 163‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 19‏:‏ 27‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 15‏]‏‏.‏

قـال بعض المفسـرين‏:‏ ‏{‏جُزْءًا‏}‏ أي‏:‏ نصيبًا وبعضًا‏.‏ وقـال بعضهم‏:‏ جعلوا لله نصيبًا من الولد‏.‏ وعـن قتادة ومقاتـل‏:‏ عـدلا‏.‏ وكـلا القولين صحيح؛ فإنهم يجعلون له ولدًا، والولـد يشبه أبـاه؛ ولهـذا قـال‏:‏ ‏{‏وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 17‏]‏ أي‏:‏ البنات، كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 58‏]‏، فقد جعلوها للرحمن مثلًا، وجعلوا له من عباده جزءًا، فإن الولد جزء من الوالد ـ كما تقدم ـ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنما فاطمة بضعة مني‏)‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 100‏]‏‏.‏ قال الكلبي‏:‏ نزلت في الزنادقة قالوا‏:‏ إن الله وإبليس شريكان، فالله خالق النور والناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب‏.‏

وأمـا قـولـه‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 158‏]‏، فقيـل‏:‏ قولهم‏:‏ الملائكـة بنات الله، وسـمي الملائكـة جنًا؛ لاجتنانهم عن الأبصار، وهو قول مجاهـد وقتادة‏.‏وقيـل‏:‏ قـالوا لحي مـن الملائكـة يقـال لهم‏:‏ الجـن، / ومنهـم إبليـس وهـم بنـات الله‏.‏وقـال الكلبي قـالوا ـ لعنهم الله‏:‏ بل تزوج من الجن فخرج بينهما الملائكة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 100‏]‏، قال بعض المفسرين ـ كالثعلبي ـ‏:‏ وهم كفار العرب قالوا‏:‏ الملائكة والأصنام بنات الله‏.‏واليهود قالوا‏:‏ عزير ابن الله‏.‏والنصارى قالوا‏:‏ المسيح ابن الله‏.‏

 فصل

وأما الذين كانوا يقولون من العرب‏:‏ إن الملائكة بنات الله، وما نقل عنهم من أنه صاهر الجن، فولدت له الملائكة فقد نفاه الله عنه بامتناع الصاحبة، وبامتناع أن يكون منه جزء فإنه صمد، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 101‏]‏‏.‏ وهذا كما تقدم من أن الولادة لا تكون إلا من أصلين سواء في ذلك تولد الأعيان التي تسمي الجواهر، وتولد الأعراض والصفات، بل ولا يكون تولد الأعيان إلا بانفصال جزء من الوالد‏.‏فإذا امتنع أن يكون له صاحبة امتنع أن يكون له ولد، وقد علموا كلهم ألا صاحبة له لا من الملائكة ولا من الجن ولا من الإنس، فلم يقل أحد منهم‏:‏ إن له صاحبـة؛ فلهذا احتج بذلك عليهم‏.‏وما حكي عن بعض كفار العرب‏:‏ أنه صاهر الجن، فهذا فيه نظر، وذلك إن/كان قد قيل، فهو مما يعلم انتفاؤه من وجوه كثيرة، وكذلك ما قالته النصارى‏:‏ من أن المسيح ابن الله، وما قاله طائفة من اليهود‏:‏ إن العزير ابن الله، فإنه قد نفاه ـ سبحانه ـ بهذا وبهذا‏.‏

فـإن قيل‏:‏ أما عـوام النصارى، فـلا تنضبط أقوالهم، وأمـا الموجـود في كـلام علمائهم وكتبهم، فإنهم يقولون‏:‏ إن أقنوم الكلمة، ويسمونها الابن تَدَرَّع المسيح، أي‏:‏ اتخذه درعًا، كما يتدرع الإنسان قميصه، فاللاهوت تدرع الناسوت‏.‏ويقولون‏:‏ باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد‏.‏قيل قصدهم‏:‏ إن الرب موجود حي عليم، فالموجود هو الأب، والعلم هو الابن، والحياة هو روح القدس‏.‏هذا قول كثير منهم‏.‏ومنهم من يقول‏:‏ بل موجود عالم قادر‏.‏ويقول‏:‏ العلم هو الكلمة، وهو المتدرع‏.‏والقدرة‏:‏ هي روح القدس، فهم مشتركون في أن المتدرع هو أقنوم الكلمة وهي الابن‏.‏

ثم اختلفوا في التدرع واختلفوا‏:‏ هل هما جوهر أو جوهران‏؟‏ وهل لهما مشيء ة أو مشيء تان‏؟‏ ولهم في الحلول والاتحاد كلام مضطرب ليس هذا موضع بسطه، فإن مقالة النصارى فيها من الاختلاف بينهم ما يتعذر ضبطه، فإن قولهم ليس مأخوذًا عن كتاب منزل، ولا نبي مرسل، ولا هو موافق لعقول العقلاء، فقالت اليعقوبية‏:‏ صار جوهرًا واحدًا، وطبيعة واحدة، وأقنومًا واحدًا، كالماء في اللبن‏.‏وقالت/النسطورية‏:‏ بل هما جوهران وطبيعتان ومشيء تان؛ لكن حل اللاهوت في الناسوت حلول الماء في الظرف‏.‏وقالت الملكِيةُ‏:‏ بل هما جوهر واحد، له مشيء تان وطبيعتان، أو فعلان، كالنار في الحديد‏.‏

وقد ذهب بعض الناس إلى أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 72‏]‏، هم اليعقوبية، وفي قوله‏:‏ ‏{‏وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 30‏]‏، هم الملكية، وقوله‏:‏ ‏{‏لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 73‏]‏، هم النسطورية وليس بشيء، بل الفِرَق الثلاث تقول المقالات التي حكاها الله ـ عز وجل ـ عن النصارى، فكلهم يقولون‏:‏ إنه الله، ويقولون‏:‏ إنه ابن الله، وكذلك في أمانتهم التي هم متفقون عليها، يقولون‏:‏ إله حق من إله حق، وأما قوله‏:‏ ‏{‏ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ‏}‏، فإنه قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 116‏]‏‏.‏

قال أبو الفرج ابن الجوزي في قوله‏:‏ ‏{‏لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ‏}‏، قال المفسرون‏:‏ معنى الآية‏:‏ أن النصارى قالوا بأن الإلهية مشتركة بين الله وعيسى ومريم، كل واحد منهم إله‏.‏وذكر عن الزجاج‏:‏ الغلو‏:‏ مجاوزة القدر في الظلم، وغلو النصارى في عيسى قول بعضهم‏:‏ هو الله، وقول بعضهم‏:‏ هو ابن الله، وقول بعضهم‏:‏ هو ثالث /ثلاثة، فعلماء النصارى الذين فسروا قولهم‏:‏ هو ابن الله بما ذكروه من أن الكلمة هي الابن، والفرق الثلاث متفقة على ذلك، وفساد قولهم معلوم بصريح العقل من وجوه‏:‏

أحدها‏:‏ أنه ليس في شيء من كلام الأنبياء تسمية صفة الله ابنا ـ لا كلامه ولا غيره ـ فتسميتهم صفة الله ابنا تحريف لكلام الأنبياء عن مواضعه، وما نقلوه عن المسيح من قوله‏:‏ عمدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس، لم يُرَد بالابن‏:‏ صفة الله التي هي كلمته، ولا بروح القدس‏:‏ حياته، فإنه لا يوجد في كلام الأنبياء إرادة هذا المعنى، كما قد بسط هذا في الرد على النصارى‏.‏

الوجه الثاني‏:‏ أن هذه الكلمة ـ التي هي الابن ـ أهي صفة الله قائمة به‏؟‏ أم هي جوهر قائم بنفسه‏؟‏ فإن كانت صفته؛ بطل مذهبهم من وجوه‏:‏

أحدها‏:‏ أن الصفة لا تكون إلهًا يخلق ويرزق ويحيي ويميت، والمسيح عندهم إله يخلق ويرزق، ويحيي ويميت، فإذا كان الذي تدرعه ليس بإله؛ فهو أولى ألا يكون إلهًا‏.‏

الثاني‏:‏ أن الصفة لا تقوم بغير الموصوف فلا تفارقه، وإن قالوا‏:‏ نزل عليه كلام الله أو قالوا‏:‏ إنه الكلمة أو غير ذلك، فهذا قدر مشترك بينه وبين سائر الأنبياء‏.‏

/الثالث‏:‏ أن الصفة لا تتحد، وتتدرع شيئًا إلا مع الموصوف، فيكون الأب نفسه هو المسيح، والنصارى متفقون على أنه ليس هو الأب، فإن قولهم متناقض ينقض بعضه بعضًا، يجعلونه إلها يخلق ويرزق، ولا يجعلونه الأب الذي هو الإله، ويقولون‏:‏ إله واحد، وقد شبهه بعض متكلميهم كيحيي بن عدي بالرجل الموصوف بأنه طبيب وحاسب وكاتب، وله بكل صفة حكم، فيقال‏:‏ هذا حق، لكن قولهم ليس نظير هذا، فإذا قلتم‏:‏ إن الرب موجود حي عالم، وله بكل صفة حكم، فمعلوم أن المتحد إن كان هو الذات المتصفة، فالصفات كلها تابعة لها، فإنه إذا تدرع زيد الطبيب الحاسب الكاتب درعًا كانت الصفات كلها قائمة به، وإن كان المتدرع صفة دون صفة عاد المحذور، وإن قالوا‏:‏ المتدرع الذات بصفة دون صفة، لزم افتراق الصفتين، وهذا ممتنع؛ فإن الصفات القائمة بموصوف واحد ـ وهي لازمة له ـ لا تفترق، وصفات المخلوقين قد يمكن عدم بعضها مع بقاء الباقي، بخلاف صفات الرب ـ تبارك وتعالى‏.‏

الرابع‏:‏ أن المسيح ـ نفسه ـ ليس هو كلمات الله، ولا شيئًا من صفاته، بل هو مخلوق بكلمة الله، وسمي كلمة؛ لأنه خلق بكن من غير الحَبَلِ المعتاد، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدم خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 59‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 34، 35‏]‏، ولو قدر أنه نفسه كلام الله، كالتوراة والإنجيل وسائر كلام الله، لم يكن كلام الله، ولا شيء من صفاته خالقًا ولا ربًا ولا إلها‏.‏فالنصارى إذا قالوا‏:‏ إن المسيح هو الخالق، كانوا ضالين من جهة جعل الصفة خالقة، ومن جهة جعله هو نفس الصفة، وإنما هو مخلوق بالكلمة، ثم قولهم بالتثليث وإن الصفات ثلاث باطل، وقولهم ـ أيضًا ـ بالحلول والاتحاد باطل، فقولهم يظهر بطلانه من هذه الوجوه وغيرها‏.‏

فلو قالوا‏:‏ إن الرب له صفات قائمة به، ولم يذكروا اتحادًا ولا حلولًا، كان هذا قول جماهير المسلمين المثبتين للصفات، وإن قالوا‏:‏ إن الصفات أعيان قائمة بنفسها، فهذا مكابرة، فهم يجمعون بين المتناقضين‏.‏

وأيضًا، فجعلهم عدد الصفات ثلاثة باطل؛ فإن صفات الرب أكثر من ذلك، فهو ـ سبحانه ـ موجود حي عليم قدير‏.‏والأقانيم عندهم التي جعلوها الصفات ليست إلا ثلاثة؛ ولهذا تارة يفسرونها بالوجود والحياة والعلم، وتارة يفسرونها بالوجود والقدرة والعلم، واضطرابهم كثير، فإن قولهم في نفسه باطل، ولا يضبطه عقل عاقل؛ ولهذا يقال‏:‏ لو اجتمع عشرة من النصارى، لافترقوا على أحد عشر قولا‏.‏

/وأيضًا، فكلمات الله كثيرة لا نهاية لها، كما قال سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 109‏]‏، وهذا قول جماهير الناس من المسلمين وغير المسلمين، وهذا مذهب سلف الأمة الذين يقولون‏:‏ لم يزل ـ سبحانه ـ متكلمًا بمشيء ته‏.‏وقول من قال‏:‏ إنه لم يزل قادرًا على الكلام لكن تكلم بمشيء ته، كلامًا قائمًا بذاته حادثا، وقول من قال‏:‏ كلامه مخلوق في غيره‏.‏

وأما من قال‏:‏ كلامه شيء واحد قديم العين، فهؤلاء منهم من يقول‏:‏ إنه أمور لا نهاية لها مع ذلك‏.‏ومنهم من يقول‏:‏ بل هو معنى واحد، ولكن العبارات عنه متعددة‏.‏وهؤلاء يمتنع عندهم أن يكون ذلك المعنى قائمًا بغير الله، وإنما يقوم بغيره عندهم العبارات المخلوقة، ويمتنع أن يكون المسيح شيئًا من تلك العبارات، فإذا امتنع أن يكون المسيح غير كلام الله ـ على قول هؤلاء ـ فعلى قول الجمهور أشد امتناعًا؛ لأن كلمات الله كثيرة، والمسيح ليس هو جميعها، بل ولا مخلوقًا بجميعها، إنما خُلِقَ بكلمة منها، وليس هو عين تلك الكلمة؛ فإن الكلمة صفة من الصفات، والمسيح عين قائم بنفسه‏.‏

ثم يقال لهم‏:‏ تسميتكم العلم والكلمة ولدًا وابنًا تسمية باطلة باتفاق العلماء والعقلاء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الأنبياء‏.‏قالوا‏:‏ لأن الذات/يتولد عنها العلم والكلام كما يتولد ذلك عن نفس الرجل العالم منها، فيتولد من ذاته العلم والحكمة والكلام؛ فلهذا سميت الكلمة ابنا، قيل‏:‏ هذا باطل من وجوه‏:‏

أحدها‏:‏ أن صفاتنا حادثة تحدث بسبب تعلمنا ونظرنا وفكرنا واستدلالنا، وأما كلمة الرب وعلمه، فهو قديم لازم لذاته، فيمتنع أن يوصف بالتولد، إلا أن يدعي المدعي أن كل صفة لازمة لموصوفها متولدة عنه، وهي ابن له، ومعلوم أن هذا من أبطل الأمور في العقول واللغات؛ فإن حياة الإنسان ونطقه ـ وغير ذلك من صفاته اللازمة له ـ لا يقال‏:‏ إنها متولدة عنه، وإنها ابن له‏.‏وأيضًا فيلزم أن تكون حياة الرب ـ أيضًا ـ ابنه ومتولدة، وكذلك قدرته؛ وإلا فما الفرق بين تولد العلم وتولد الحياة والقدرة وغير ذلك من الصفات‏؟‏ ‏!‏

وثانيها‏:‏ أن هذا إن كان من باب تولد الجواهر والأعيان القائمة بنفسها؛ فلابد له من أصلين، ولابد أن يخرج من الأصل جزء‏.‏وأما علمنا وقولنا، فليس عينًا قائمًا بنفسه، وإن كان صفة قائمة بموصوف، وعرضًا قائمًا في محل كعلمنا وكلامنا، فذاك ـ أيضًا ـ لا يتولد إلا عن أصلين، ولابد له من محل يتولد فيه‏.‏والواحد منا لا يحدث له العلم والكلام إلا بمقدمات تتقدم على ذلك، وتكون أصولًا للفروع، ويحصل العلم والكلام في محل لم يكن حاصلًا فيه قبل ذلك‏.‏

/فإن قلتم‏:‏ إن علم الرب كذلك، لزم أن يصير عالمًا بالأشياء بعد أن لم يكن عالمًا بها، وأن تصير ذاته متكلمة بعد أن لم يكن متكلمًا‏.‏ وهذا مع أنه كفر عند جماهير الأمم من المسلمين والنصارى وغيرهم فهو باطل في صريح العقل؛ فإن الذات التي لا تكون عالمة يمتنع أن تجعل نفسها عالمة بلا أحد يعلمها، والله ـ تعالى ـ يمتنع عليه أن يكون متعلمًا من خلقه، وكذلك الذات التي تكون عاجزة عن الكلام، يمتنع أن تصير قادرة عليه بلا أحد يجعلها قادرة، والواحد منها لا يولد جميع علومه، بل ثَمَّ علوم خلقت فيه لا يستطيع دفعها، فإذا نظر فيها حصلت له علوم أخرى، فلا يقول أحد من بني آدم‏:‏ إن الإنسان يولد علومه كلها، ولا يقول أحد‏:‏ إنه يجعل نفسه متكلمة بعد أن لم تكن متكلمة، بل الذي يقدره على النطق هو الذي أنطق كل شيء‏.‏

فإن قالوا‏:‏ إن الرب يولد بعض علمه، وبعض كلامه دون بعض، بطل تسمية العلم الذي هو الكلمة مطلقًا ـ الابن ـ وصار لفظ الابن إنما يسمي به بعض علمه، أو بعض كلامه، وهم يدَّعُونَ أن المسيح هو الكلمة، وهو أقنوم العلم مطلقًا، وذلك ليس متولدًا عنه كله، ولا يسمي كله ابنا باتفاق العقلاء‏.‏

وثالثها‏:‏ أن يقال‏:‏ تسمية علم العالم وكلامه ولدًا له لا يعرف في شيء من اللغات المشهورة، وهو باطل بالعقل؛ فإن علمه وكلامه كقدرته وعلمه، فإن/جاز هذا، جاز تسمية صفات الإنسان كلها الحادثة متولدات عنه له، وتسميتها أبناءه‏.‏ومن قال من أهل الكلام القدرية‏:‏ إن العلم الحاصل بالنظر متولد عنه، فهو كقوله‏:‏ إن الشِّبَع والرِّي متولد عن الأكل والشرب، لا يقول‏:‏ إن العلم ابنه وولده، كما لا يقول‏:‏ إن الشبع والري ابنه ولا ولده؛ لأن هذا من باب تولد الأعراض والمعاني القائمة بالإنسان، وتلك لا يقال‏:‏ إنها أولاده وأبناؤه‏.‏ومن استعار فقال‏:‏ بنيات فكره، فهو كما يقال‏:‏ بنيات الطريق‏.‏ ويقال‏:‏ ابن السبيل‏.‏ ويقال لطير الماء‏:‏ ابن ماء‏.‏وهذه تسمية مقيدة، قد عرف أنها ليس المراد بها ما هو المعقول من الأب والابن والوالد والولد‏.‏وأيضًا، فكلام الأنبياء ليس في شيء منه تسمية شيء من صفات الله ابنًا، فمن حمل شيئًا من كلام الأنبياء على ذلك فقد كذب عليهم، وهذا مما يقِر به علماء النصارى وما وجد عندهم من لفظ الإبن في حق المسيح وإسرائيل وغيرهما، فهو اسم للمخلوق لا لشيء من صفات الخالق، والمراد به أنه مكرم معظم‏.‏

ورابعها‏:‏ أن يقال‏:‏ فإذا قدر أن الأمر كذلك، فالذي حصل للمسيح إن كان هو ما علمه الله إياه من علمه وكلامه، فهذا موجود لسائر النبيين، فلا معنى لتخصيصه بكونه ابن الله، وإن كان هو أن العلم والكلام إله اتحد به فيكون العلم والكلام جوهرًا قائمًا بنفسه، فإن كان هو الأب فيكون المسيح هو الأب، وإن كان العلم والكلام جوهرًا آخر، فيكون إلهان قائمان /بأنفسهما، فتبين فساد ما قالوه بكل وجه‏.‏

وخامسها‏:‏ أن يقال‏:‏ من المعلوم عند الخاصة والعامة أن المعنى الذي خص به المسيح إنما هو أن خُلِقَ من غير أب، فلما لم يكن له أب من البشر، جعل النصارى الرب أباه، وبهذا ناظر نصاري نجران النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا‏:‏ إن لم يكن هو ابن الله، فقل لنا من أبوه‏؟‏ فعلم أن النصارى إنما ادعوا فيه البنوة الحقيقية، وأن ما ذكر من كلام علمائهم هو تأويل منهم للمذهب؛ ليزيلوا به الشناعة التي لا يبلغها عاقل، وإلا فليس في جعله ابن الله وجه يختص به معقول، فعلم أن النصارى جعلوه ابن الله، وأن الله أحْبَلَ مريم، والله هو أبوه، وذلك لا يكون إلا بإنزال جزء منه فيها، وهو ـ سبحانه ـ الصمد، ويلزمهم أن تكون مريم صاحبة وزوجة له؛ ولهذا يتألهونها كما أخبر الله عنهم‏.‏وأي معنى ذكروه في بنوة عيسى غير هذا لم يكن فيه فرق بين عيسى وبين غيره، ولا صار فيه معنى البنوة، بل قالوا ـ كما قال بعض مشركي العرب ـ‏:‏ إنه صاهر الجن فولدت له الملائكة‏.‏وإذا قالوا‏:‏ اتخذه ابنًا على سبيل الاصطفاء، فهذا هو المعنى الفعلي، وسيأتي إن شاء الله ـ تعالى ـ إبطاله‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَرُوحٌ مِّنْهُ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 171‏]‏، ليس فيه أن بعض الله صار في عيسي، بل من لابتداء الغاية، كما قال‏:‏ ‏{‏وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 13‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 53‏]‏، وما أضيف إلى الله أو قيل هو منه فعلى وجهين‏:‏ إن كان عينًا قائمة بنفسها؛ فهو مملوك له، ومن لابتداء الغاية، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 17‏]‏، وقال في المسيح‏:‏ ‏{‏وَرُوحٌ مِّنْهُ‏}‏‏.‏وما كان صفة لا يقوم بنفسه كالعلم والكلام فهو صفة له، كما يقال‏:‏ كلام الله، وعلم الله، وكما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 102‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 114‏]‏‏.‏

وألفاظ المصادر يعبر بها عن المفعول، فيسمي المأمور به أمرًا، والمقدور قدرة، والمرحوم به رحمة، والمخلوق بالكلمة كلمة، فإذا قيل في المسيح‏:‏ إنه كلمة الله، فالمراد به أنه خُلِقَ بكلمة قوله‏:‏ ‏[‏كن‏]‏، ولم يخلق على الوجه المعتاد من البشر، وإلا فعيسى بشر قائم بنفسه ليس هو كلاما صفة للمتكلم يقوم به، وكذلك إذا قيل عن المخلوق‏:‏ إنه أمر الله، فالمراد أن الله كونه بأمره، كقوله‏:‏ ‏{‏أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 1‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 82‏]‏، فالرب ـ تعالى ـ أحد صمد، لا يجوز أن يتبعض ويتجزأ، فيصير، بعضه في غيره، سواء سمي ذلك روحًا أو غيره، فبطل ما يتوهمه النصارى من كونه ابنًا له، وتبين أنه عبد من عباد الله‏.‏

وقد قيل‏:‏ منشأ ضلال القوم أنه كان في لغة من قبلنا يعبر عن/ الرب بالأب، وبالابن عن العبد المربي الذي يربه الله ويربيه، فقال المسيح‏:‏ عمدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس، فأمرهم أن يؤمنوا بالله ويؤمنوا بعبده ورسوله المسيح، ويؤمنوا بروح القدس جبريل، فكانت هذه الأسماء لله، ولرسوله المَلَكي، ورسوله البشري، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 75‏]‏‏.‏

وقد أخبر ـ تعالى ـ في غير آية أنه أيد المسيح بروح القدس، وهو جبريل عند جمهور المفسرين، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 87‏]‏، فعند جمهور المفسرين أن روح القدس هو جبريل، بل هذا قول ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي وغيرهم، ودليل هذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 101، 102‏]‏‏.‏وروي الضحاك عن ابن عباس‏:‏ أنه الاسم الذي كان يحيي به الموتي‏.‏وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏:‏ أنه الإنجيل‏.‏وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 22‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 52‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 2‏]‏ فما ينزله الله في قلوب أنبيائه مما تحيا به قلوبهم من الإيمان الخالص يسميه روحًا، وهو ما يؤيد الله به المؤمنين من عباده فكيف بالمرسلين منهم‏؟‏ ‏!‏ والمسيح ـ عليه السلام ـ من أولى العزم، فهو أحق بهذا من جمهور الرسل والأنبياء، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 253‏]‏‏.‏وقد ذكر الزجاج في تأييده بروح القدس ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أنه أيده به لإظهار أمره ودينه‏.‏

الثاني‏:‏ لدفع بني إسرائيل عنه إذ أرادوا قتله‏.‏

الثالث‏:‏ أنه أيده به في جميع أحواله‏.‏

ومما يبين ذلك أن لفظ الابن في لغتهم ليس مختصًا بالمسيح، بل عندهم أن الله ـ تعالى ـ قال في التوراة لإسرائيل‏:‏ أنت ابني بكري، والمسيح كان يقول‏:‏ أبي وأبوكم فيجعله أبا للجميع، ويسمي غيره ابنًا له، فعلم أنه لا اختصاص للمسيح بذلك، ولكن النصارى يقولون‏:‏ هو ابنه بالطبع، وغيره ابنه بالوضع، فيفرقون فرقًا لا دليل عليه، ثم قولهم‏:‏ هو ابنه بالطبع يلزم عليه من المحالات عقلًا وسمعًا ما يبين بطلانه‏.‏

/ فصل

وأما مـا يقـوله الفلاسفـة القائلون بأن العالم قديم صدر عن علة موجبة بذاته، وأنه صـدر عنـه عقـل، ثم عقـل، ثم عقـل، إلى تمـام عشرة عقـول، وتسعة أنفس ـ وقد يجعلـون العقـل بمنزلة الذكـر، والنفس بمنزلـة الأنثي ـ فهؤلاء قولهم أفسد من قول مشركي العرب وأهل الكتاب عقلًا وشرعًا، ودلالة القرآن على فساده أبلغ، وذلك من وجوه‏:‏

أحدها‏:‏ أن هؤلاء يقولون بقدم الأفلاك، وقدم هذه الروحانيات التي يثبتونها، ويسمونها المجردات والمفارقات، والجواهر العقلية، وأن ذلك لم يزل قديمًا أزليا، وما كان قديمًا أزليا، امتنع أن يكون مفعولًا بوجه من الوجوه، ولا يكون مفعولًا إلا ما كان حادثًا، وهذه قضية بديهية عند جماهير العقلاء، وعليها الأولون والآخرون من الفلاسفة، وسائر الأمم؛ ولهذا كان جماهير الأمم يقولون‏:‏ كل ممكن أن يوجد، وألا يوجد فلا يكون إلا حادثًا، وإنما ادعي وجود ممكن قديم معلول طائفة من المتأخرىن ـ كابن سينا ومن وافقه ـ زعموا أن الفلك/قديم معلول لعلة قديمة‏.‏وأما الفلاسفة القدماء فمن كان منهم يقـول بحـدوث الفلك ـ وهم جمهورهم، ومن كان قبل أرسطو ـ فهؤلاء موافقون لأهل الملل، ومن قال بقدم الفلك ـ كأرسطو وشيعته ـ فإنما يثبتون له علة غائية يتشبه الفلك بها، لا يثبتون له علة فاعلة، وما يثبتونه من العقول والنفوس فهو من جنس الفلك‏.‏كل ذلك قديم واجب بنفسه، وإن كان له علة غائية‏.‏وهؤلاء أكفر من هؤلاء المتأخرىن، لكن الغرض أن يعرفوا أن قول هؤلاء ليس قول أولئك‏.‏

الثاني‏:‏ أن هؤلاء يقولون‏:‏ إن الرب واحد، والواحد لا يصدر عنه إلا واحد، ويعنون بكونه واحدًا أنه ليس له صفة ثبوتية أصلًا، ولا يعقل فيه معان متعددة؛ لأن ذلك عندهم تركيب؛ ولهذا يقولون‏:‏ لا يكون فاعلًا وقابلًا؛ لأن جهة الفعل غير جهة القبول، وذلك يستلزم تعدد الصفة المستلزم للتركيب، ومع هذا يقولون‏:‏ إنه عَاقِلٌ ومعقُولٌ وعقلٌ، وعَاشِقٌ ومَعشُوقٌ وعِشقٌ، ولذيذٌ ومُلتذٌ ولذَّةٌ، إلى غير ذلك من المعاني المتعددة‏.‏ويقولون‏:‏ إن كل واحدة من هذه الصفات هي الصفة الأخرى، والصفة هي الموصوف، والعلم هو القدرة، وهو الإرادة والعلم هو العالم وهو القادر‏.‏

ومن المتأخرىن منهم من قال‏:‏ العلم هو المعلوم، فإذا تصور العاقل أقوالهم حق التصور، تبين له أن هذا الواحد الذي أثبتوه لا يتصور/ وجوده إلا في الأذهان لا في الأعيان، وقد بسط الكلام عليه، وبين فساد ما يقولونه في التوحيد والصفات، وبين فساد شبه التركيب من وجوه كثيرة في مواضع غير هذه‏.‏وإذا كان كذلك، فالأصل الذي بنوا عليه قولهم‏:‏ ‏(‏إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد‏)‏ أصل فاسد‏.‏

الثالث‏:‏ أن يقال‏:‏ قولهم بصدور الأشياء مع ما فيها من الكثرة والحدوث عن واحد، بسيط في غاية الفساد‏.‏

الرابع‏:‏ أنه لا يعلم في العالم واحد بسيط صدر عنه شيء لا واحد ولا اثنان، فهذه الدعوى الكلية لا يعلم ثبوتها في شيء أصلًا‏.‏

الخامس‏:‏ أنهم يقولون‏:‏ صدر عنه واحد، وعن ذلك الواحد عقل ونفس وفلك، فيقال‏:‏ إن كان الصادر عنه واحدًا من كل وجه، فلا يصدر عن هذا الواحد إلا واحد ـ أيضًا ـ فيلزم أن يكون كل ما في العالم إنما هو واحد عن واحد وهو مكابرة، وإن كان في الصادر الأول كثرة ما بوجه من الوجوه؛ فقد صدر عن الأول ما فيه كثرة ليس واحدًا من كل وجه، فقد صدر عن الواحد ما ليس بواحد‏.‏

ولهذا اضطرب متأخروهم، فأبو البركات صاحب ‏[‏المعتبر‏]‏ أبطل هذا القول ورده غاية الرد، وابن رشد الحفيد زعم أن الفلك بما فيه صادر عن الأول‏.‏والطوسي وزير الملاحدة يقرب من هذا، فجعل الأول/شرطًا في الثاني، والثاني شرطا في الثالث، وهم مشتركون في الضلال وهو إثبات جواهر قائمة بنفسها أزلية مع الرب لم تزل ولا تزال معه، لم تكن مسبوقة بعدم، وجعل الفلك ـ أيضًا ـ أزليا، وهذا وحده فيه من مخالفة صريح المعقول والكفر بما جاءت به الرسل ما فيه كفاية، فكيف إذا ضم إليه غير ذلك من أقاويلهم المخالفة للعقل والنقل‏؟‏ ‏!‏

الوجه السادس‏:‏ أن الصـوادر المعلومـة في العالم إنما تصـدر عن اثنين، وأما واحد وحـده فـلا يصدر عنـه شيء، كما تقـدم التنبـيه عليـه في المتولـدات مـن الأعيان والأعراض‏.‏وكل ما يذكرونه من صدور الحرارة عن الحار، والبرودة عن البارد، والشعاع عـن الشمس، وغـير ذلك، فإنما هـو صـدور أعراض، ومـع هـذا فلابد لها من أصلين‏.‏وأمـا صـدور الأعيان عـن غـيرهـا، فهذا لا يعلم إلا بالولادة المعـروفــة‏.‏ وتلك لا تكون إلا بانفصال جـزء مـن الأصل، وهـذا الصدور والتـولد والمعلولـيــة التي يدعـونها في العقول والنفوس والأفلاك يقولون‏:‏ إنها جواهر قائمة بأنفسها صدرت عن جوهر واحد بسيط، فهذا من أبطل قول قيل في الصدور والتولد؛ لأن فيه صدور جواهــر عن جوهر واحد، وهذا لا يعقل، وفيه صدوره عنه من غير جزء منفصل من الأصل، وهذا لا يعقل، وهم غاية ما عندهم أن يشبهوا هذا بحدوث بعض الأعراض كالشعاع عن الشمس، وحركة الخاتم عن حركة اليد، وهذا تمثيل/باطل؛ لأن تلك ليست علة فاعلة، وإنما هي شرط فقط، والصادر هناك لم يكن عن أصل واحد، بل عن أصلين، والصادر عرض لا جوهر قائم بنفسه‏.‏

فتبين أن ما ذكره هؤلاء من التولد العقلي الذي يدعونه من أبعد الأمور عن التولد والصـدور، وهو أبعد مـن قول النصارى ومشركي العرب، وهم جعلوا مفعولاته بمنزلة صفـة أزلية لازمـة لذاته‏.‏وقـد ذكرنـا أن هـذا مما يمتنـع أن يقال فيـه‏:‏ إنه متولد عنه، وحينئـذ فهم في دعواهم إلهية العقـول والنفـوس والكواكب أكـفر مـن هـؤلاء وهؤلاء، ومـن جعل من المنتسبين إلى الملل منهم هؤلاء هم الملكية، فقوله في جعل الملائكة متولدين عن الله، شر من قول العرب وعوام النصارى، فإن أولئك أثبتوا ولادة حسية، وكونه صمـدًا يبطلها؛ لكـن مـا أثبتـوه معقول، وهؤلاء ادعوا تولدًا عقليا باطلاً من كل وجه أبطل مما ادعته النصارى من تولد الكلمة عن الذات، فكان نفي ما ادعوه أولى من نفي ما ادعاه أولئك؛ لأن المحال الذي يعلم امتناعــه في الخارج لا يمكن تصوره موجودًا في الخارج، فإنه يمتنع وجوده في الخارج، بل هو يفرض في الذهن وجوده في الخارج، وذلك إنما يمكن إذا كان له نظير من بعض الوجوه فيقدر له في الوجود الخارجي ما يشبهه، كما إذا قدر مع الله إلهًا آخر، وقدر أن له ولدًا، فإنه يشبه من له ولد من العباد، ومن له شريك من/العباد، ثم يبين امتناع ذلك عليه، فكلما كان المحال أبعد عن مشابهة الموجود كان أعظم استحالة‏.‏

والولادة التي ادعتها النصارى، ثم هؤلاء الفلاسفة، أبعد عن مشابهة الولادة المعلومة من الولادة التي ادعاها بعض مشركي العرب وعوام النصارى واليهود، فكانت هذه الولادة العقلية أشد استحالة من تلك الولادة الحسية؛ إذ الولادة الحسية تعقل في الأعيان القائمة بنفسها، وأما الولادة العقلية فلا تعقل في الأعيان أصلًا‏.‏وأيضًا، فأولئك أثبتوا ولادة من أصلين، وهذا هو الولادة المعقولة، وهؤلاء أثبتوا ولادة من أصل واحد، وأولئك أثبتوا ولادة بانفصال جزء، وهذا معقول‏.‏وهؤلاء أثبتوا ولادة بدون ذلك، وهو لا يعقل، وأولئك أثبتوا ولادة قاسوها على ولادة الأعيان للأعيان، وهؤلاء أثبتوا ولادة قاسوها على تولد الأعراض عن الأعيان، فعلم أن قول أولئك أقرب إلى المعقول وهو باطل كما بين اللّه فساده وأنكره‏.‏ فقول هؤلاء أولى بالبطلان، وهذا كما أن اللّه إذا كفر من أثبت مخلوقا يتخذ شفيعا معبودًا من دون اللّه، فمن أثبت قديمًا دون اللّه يعبد، ويتخذ شفيعا كان أولى بالكفر، ومن أنكر المعاد مع قوله بحدوث هذا العالم فقد كفره اللّه، فمن أنكره مع قوله بقدم العالم فهو أعظم كفرًا عند اللّه ـ تعالى‏.‏

وهذا كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نهى أمته عن مشابهة/ فارس المجوس والروم النصارى، فنهيه عن مشابهة الروم اليونان المشركين والهند المشركين أعظم وأعظم‏.‏وإذا كان ما دخل في بعض المسلمين من مشابهة اليهود والنصارى وفارس والروم مذموما عند اللّه ورسوله، فما دخل من مشابهة اليونان والهند والترك المشركين وغيرهم من الأمم الذين هم أبعد عن الإسلام من أهل الكتاب ومن فارس والروم أولى أن يكون مذمومًا عند اللّه ـ تعالى ـ وأن يكون ذمه أعظم من ذاك‏.‏

فهؤلاء الأمم الذين هم أبعد عن الإسلام الذين ابتلي بهم أواخر المسلمين شر من الأمم الذين ابتلي بهم أوائل المسلمين؛ وذلك لأن الإسلام كان أهله أكمل وأعظم علما ودينا، فإذا ابتلي بمن هو أرجح من هؤلاء غلبهم المسلمون لفضل علمهم ودينهم، وأما هؤلاء المتأخرون فالمسلمون وإن كانوا أنقص من سلفهم، فإنه يظهر رجحانهم على هؤلاء لعظم بعدهم عن الإسلام، ولكن لما كثرت البدع من متأخرى المسلمين، استطال عليهم من استطال من هؤلاء، ولَبَّسُوا عليهم دينهم، وصارت شُبَه الفلاسفة أعظم عند هؤلاء من غيرهم، كما صار قتال الترك الكفار أعظم من قتال من كان قبلهم عند أهل الزمان؛ لأنهم إنما ابتلوا بسيوف هؤلاء، وألسنة هؤلاء، وكان فيهم من نقص الإيمان ما أورث ضعفًا في العلم والجهاد، وكما كان كثير من العرب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا هذا‏.‏

/ومما يبين هذا أن مشركي العرب واليهود والنصارى يقولون‏:‏ إن اللّه خلق السموات والأرض بمشيئته وقدرته، بل يقولون‏:‏ إنه خلق ذلك في ستة أيام، وهؤلاء المتفلسفة عندهم لم يحدثها بعد أن لم تكن، فضلًا عن أن يكون ذلك في ستة أيام، ثم يلبسون على المسلمين فيقولون‏:‏ العالم محدث، يعنون بحدوثه أنه معلول علة قديمة، فهو بمنزلة قولهم‏:‏ متولد عن اللّه ـ تعالى ـ لكن هو أمر لا حقيقة له ولا يعقل‏.‏

وأيضًا، فمشركو العرب وأهل الكتاب يقرون بالملائكة وإن كان كثير منهم يجعلون الملائكة والشياطين نوعًا واحدًا، فمن خرج منهم عن طاعة اللّه أسقطه وصار شيطانًا، وينكـرون أن يكـون إبليـس كان أبـا الجـن، وأن يكـون الجـن ينكحـون ويولـدون ويأكلـون ويشربون، فهؤلاء النصارى الذين ينكرون هذا مع كفرهم هم خير من هؤلاء المتفلسفة، فإن هؤلاء لا حقيقة للملائكة عندهم إلا ما يثبتونه من العقول والنفوس، أو من أعراض تقوم بالأجسام كالقوى الصالحة، وكذلك الجن جمهور أولئك يثبتونها، فإن العرب كانت تثبت الجن، وكذلك أكثر أهل الكتاب، وهؤلاء لا يثبتونها، ويجعلون الشياطين القوى الفاسدة‏.‏ وأيضًا، فمشركو العـرب مع أهـل الكتاب يدعون اللّه، ويقولون‏:‏ إنـه يسمع دعاءهم ويجيبهم‏.‏

وهؤلاء عندهم لا يعلم شيئًا من جزئيات العالم، ولا يسمع دعاء أحد/ولا يجيب أحدًا، ولا يحدث في العالم شيئًا ولا سبب للحدوث عندهم إلا حركات الفلك، والدعاء عندهم يؤثر؛ لأنه تصرف النفس الناطقة في هيولى العالم‏.‏وقد ثبت في الصحيح من حديث أبى هريرة ـ رضي اللّه عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏يقول اللّه عز وجل‏:‏ شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، فأما شتمه إياي فقوله‏:‏ إنى اتخذت ولدًا وأنا الأحد الصمد، الذي لم ألد ولم أولد، ولم يكن لى كفوا أحد، وأما تكذيبه إياي فقوله‏:‏ لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علىَّ من إعادته‏)‏‏.‏

وهذا وإن كان متناولاً قطعًا لكفار العرب الذين قالوا هذا وهذا، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شيئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 88‏:‏ 90‏]‏، فذكر اللّه هذا وهذا، فتناول النصوص لهؤلاء بطريق الأولى، فإن هؤلاء ينكرون الإعادة والابتداء ـ أيضًا ـ فلا يقولون‏:‏ إن اللّه ابتدأ خلق السموات والأرض، ولا كان للبشر ابتداء أولهم آدم، وأما شتمهم إياه بقولهم‏:‏ اتخذ ولدًا، فهؤلاء عندهم الفلك كله لازم له معلول له، أعظم من لزوم الولد والده، والوالد له اختيار وقدرة في حدوث الولد منه، وهؤلاء عندهم ليس للّه مشيء ة وقدرة في لزوم الفلك له، بل ولا يمكنه أن يدفع لزومه عنه، فالتولد الذي يثبتونه أبلغ من التولد الموجود في الخلق، ولا يقولون‏:‏ إنه اتخذ ولدا بقدرته، فإنه لا يقدر/ عندهم على تغيير شيء من العالم، بل ذلك لازم له لزوما، حقيقته أنه لم يفعل شيئًا؛ بل ولا هو موجود، وإن سموه علة ومعلولا، فعند التحقيق لا يرجعون إلى شيء محصل، فإن في قولهم من التناقض والفساد أعظم مما في قول النصارى‏.‏

وقد ذكر طائفة من أهل الكلام أن قولهم بالعلة والمعلول من جنس قول غيرهم بالوالد والولد، وأرادوا بذلك أن يجعلوهم من جنسهم في الذم، وهذا تقصير عظيم، بل أولئك خير من هؤلاء، وهؤلاء إذا حققت ما يقوله من هو أقربهم إلى الإسلام ـ كابن رشـد الحفيد ـ وجدت غايته أن يكون الرب شرطًا في وجود العالم لا فاعلًا له، وكذلك من سلك مسلكهم من المدعين للتحقيق من ملاحدة الصوفية ـ كابن عربي وابن سبعين ـ حقيقة قولهم‏:‏ أن هذا العالم موجود واجب أزلى، ليس له صانع غير نفسه، وهم يقولون‏:‏ الوجود واحد، وحقيقة قولهم‏:‏ أنه ليس في الوجود خالق خلق موجودًا آخر، وكلامهم في المعاد والنبوات والتوحيد شر من كلام اليهود والنصارى وعباد الأصنام، فإن هؤلاء يجوزون عبادة كل صنم في العالم، لا يخصون بعض الأصنام بالعبادة‏.‏